فخر الدين الرازي
201
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لظهور الروح القدسية لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وجعل إسحاق مبدأ لشعبتين : يعقوب وعيصو ، فوضع النبوّة في نسل يعقوب ، ووضع الملك في نسل عيصو ، واستمر ذلك إلى زمان محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فلما ظهر محمد صلى اللّه عليه وسلم نقل نور النبوّة ونور الملك إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وبقيا أعني الدين والملك لأتباعه إلى قيام القيامة ، ومن تأمل في هذا الباب وصل إلى أسرار عجيبة . المسألة الثالثة : من الناس من قال . المراد بآل إبراهيم المؤمنون ، كما في قوله أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ [ غافر : 46 ] والصحيح أن المراد بهم الأولاد ، وهم المراد بقوله تعالى : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : 124 ] وأما آل عمران فقد اختلفوا فيه ، فمنهم من قال المراد عمران ولد موسى وهارون ، وهو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فيكون المراد من آل عمران موسى وهارون وأتباعهما من الأنبياء ، ومنهم من قال : بل المراد : عمران بن ماثان والد مريم ، وكان هو من نسل سليمان بن داود بن إيشا ، وكانوا من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، قالوا وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة ، واحتج من قال بهذا القول على صحته بأمور أحدها : أن المذكور عقيب قوله وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ هو عمران بن ماثان جد عيسى عليه السلام من قبل الأم ، فكان صرف الكلام إليه أولى وثانيها : أن المقصود من الكلام أن النصارى كانوا يحتجون على إلهية عيس بالخوارق التي ظهرت على يديه ، فاللّه تعالى يقول : إنما ظهرت على يده إكراماً من اللّه تعالى إياه بها ، وذلك لأنه / تعالى اصطفاه على العالمين وخصه بالكرامات العظيمة ، فكان حمل هذا الكلام على عمران بن ماثان أولى في هذا المقام من حمله على عمران والد موسى وهارون وثالثها : أن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى : وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 91 ] واعلم أن هذه الوجوه ليست دلائل قوية ، بل هي أمور ظنية ، وأصل الاحتمال قائم . أما قوله تعالى : ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في نصب قوله ذُرِّيَّةً وجهان الأول : أنه بدل من آل إبراهيم والثاني : أن يكون نصباً على الحال ، أي اصطفاهم في حال كون بعضهم من بعض . المسألة الثانية : في تأويل الآية وجوه الأول : ذرية بعضها من بعض في التوحيد والإخلاص والطاعة ، ونظيره قوله تعالى : الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [ التوبة : 67 ] وذلك بسبب اشتراكهم في النفاق والثاني : ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم عليه السلام كانوا متولدين من آدم عليه السلام ، ويكون المراد بالذرية من سوى آدم . أما قوله تعالى : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فقال القفال : المعنى واللّه سميع لأقوال العباد ، عليم بضمائرهم وأفعالهم ، وإنما يصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولًا وفعلًا ، ونظيره قوله تعالى : اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته [ الأنعام : 124 ] وقوله إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ [ الأنبياء : 90 ] وفيه وجه آخر : وهو أن اليهود كانوا يقولون : نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران ، فنحن أبناء اللّه وأحباؤه ، والنصارى كانوا يقولون : المسيح ابن اللّه ، وكان بعضهم عالماً بأن هذا الكلام باطل ، إلا أنه لتطييب قلوب العوام بقي مصراً عليه ، فاللّه تعالى كأنه يقول : واللّه سميع لهذه الأقوال الباطلة منكم ، عليم بأغراضكم الفاسدة من هذه الأقوال فيجازيكم عليها ، فكان أول الآية بياناً لشرف الأنبياء والرسل ، وآخرها تهديداً لهؤلاء الكاذبين الذين يزعمون أنهم مستقرون على أديانهم .